استدعاء الأندلس
كتبهااحمد شلتوت ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 17:13 م
|
استدعاء الأندلس
د. محسن الموسوي |
|
لربما يظن القارئ أن استدعاء الأندلس منذ أيام شوقي ومرورا بعدد كبير من الشعراء والكتاب، ومن بينهم الراحل محمود درويش وعبدالعزيز المقالح لايعني أكثر من تعبير عن اللوعة والحنين. ولربما يتعزز هذا الظن كلما بدا الاستدعاء موضوعا لا تكوينا شعريا يحمل في داخله تداخلات الذات الشعرية بغيرها من الاندلسيين من أمثال لوركا وهي تداخلات تعني ضمنا تشابكات نصية أو (تناصات) تأتي للشاعر طواعية كلما خبر التجارب الشعرية وكتابات الأقوياء من الشعراء والأدباء والمؤرخين من السابقين والمعاصرين. ولربما تأخذ هذه التداخلات في جسد النص الشعري أو في التكوين النثري شكل العتبات أو حتى الاهداءات.
وكما زعمت في مقالة بعنوان (الاهداءات بصفتها عتبات نصية) نشرتها مجلة الأدب العربي (التي تصدر باللغة الانكليزية) عن دار نشر (برل)، فإن الاهداء لايتم إلا بصفته احالة على آخر، سواء كان قصيدة أو كتابة أو شخصا، مما يعني الاحاطة بذلك والالمام به والتماهي معه. وهذا التماهي هو الذي يحتم الاهداء، فلا اهداء حتى عندما يتوجه إلى راحل، يخلو من صفة تبادل التحف والهدايا كما يسميها الخالديان من قبل. واذا كانت هذه (التحف) بشكل مقطوعات تتعزز بفعل اهداء آخر وعطايا وهبات لاعلاقة ظاهرة لها بالكتابة أو (التحفة) في تسمية الخالديين، فإن ذلك يتم دائما في سياق التبادل، والذي قد يحيل الفعل الأدبي إلى تبادل سلعي أيضا. فالاهداء كما يقول دريدا في (النقود المزيفة) يتمدد داخل نص بأكمله حتى وإن بدا مجرد عتبة عابرة إلى جسد النص. لكن الاستدعاء يتسع لما هو أكثر أيضا: فهو يتجاوز التبادل لأنه لايريد ذلك، وإنما يبتغي المصالحة مع النفس القلقة المتوترة التي تريد أن تسترجع الماضي في تكوين كذلك الذي جعل من قصائد شوقي الأندلسية كمن يشيد على أنقاض المفقود والضائع. انها البناء شعرا لما ضاع واقعا. ولكن ليس ذلك مما كان يجول بخاطر الشاعر الفذ الراحل محمود درويش: إذ كان وعيه النافذ وحساسيته الشعرية العالية وملكته العربية وسعة مفرداته وثراء قاموسه ودفق عروبته تجتمع مع بعضها وهو يستعيد ذلك الماضي. ولكن الشاعر الذي كتب (من أنا دون منفى) لايريد أن يجري مقارنة بين فلسطين التي تضيع كل يوم وسط ضجيج عربي لاينفع وازاء خصم عتي يتمترس بالحيلة والدهاء والمدد الذي لاينقطع، وبين اندلس راحت. كان [أي درويش] قد قرأ ما قاله الأندلسيون. ومن الجازم أنه على اطلاع حسن بتأويل الطرطوشي صاحب (سراج الملوك) مبكرا عن معنى الاتجاه نحو فقدان الأندلس وأسباب ذلك. ولربما كان ذلك يحضر في ذهن درويش وهو يستعيد الأندلس: لكنه يريد من وراء ذلك أن يؤكد لوعة (لماذا تركت الحصان وحيدا)، لوعة من يعي أن الخصم مصّر على المحو المطلق لا المراهنة الساذجة. وذكرت عرضا كتاب الطرطوشي (سراج الملوك) لأن الكتاب الذي بدا وكأنه يقع في سياق كتب (التاج) وغيره من المؤلفات الموضوعة لأداب الراعي والرعية، هذا الكتاب يتوسل بقراءة الأوضاع الاقتصادية وسبل الحسبة، وحياة المجتمعات والأسواق ليقع على الاسباب التي تجعل من الكيانات هزيلة مفككة. ولم يكن الطرطوشي ساذجا في تناوله المبكر لمحنة مجتمعات تتناقض بين (الأيديولوجية) المعلنة، أي الاسلام، وبين اصرارها رغم تقادم الزمن على التمايز مابين العرب والبربر، وكلاهما شريكان في الفتوحات والمنجزات. يجري استدعاء الاندلس لعدة اسباب: من بينها أيضا التأسيس لمعنى وجود الشاعر داخل القصيدة / المنفى: فالقصيدة الدرويشية في سنوات الراحل الأخيرة لم تعد ملاذا آمنا، ولم يعد ليعني درويشا أن يبني (وطنا داخل النص / أو ملاذا نصيا)، كما هو أمر القصيدة البياتية مثلا كلما قام الراحل عبد الوهاب البياتي بالتماهي مع ابن عربي في (ترجمان الأشواق) أو مع لوركا في غنائياته الغجرية. لم يعد درويش يجد قناعته في هذا الملاذ، ولابد للوركا الطريد والقتيل أن يتخيل نص أغنية تمنح الناس لحظة النشوة والارتقاء على ادران الآني الموغل في تعاسته وهشاشته. كان درويش يغني هو الآخر، لا لأنه هجر موضوع (سجل أنا عربي)، ولكن لأن ذلك كان تحصيل الحاصل، ولأن الماضي يفرض أمرا، كما أن الحاضر يحتم أمرا: فالشاعر ليس مطالبا بالاعتذار، أو على حد تعبير أصواته الشعرية، وأمّه هذه المرة، لم يعد هو مطالبا بالاعتذار عما فعل: فإذا كان المحو وسحق الهوية، ونكران الأثر الفلسطيني وتوطين الغريب على أرض عرفها الطفل دارا بملامح وتفاصيل دقيقة هو الجاري رغم سرياليته ووحشيته على مرأى العالم والعرب أيضا، على الشاعر أن يخلق منفاه من جديد، لا لأن كنفاني رأى كيف يكون النفي بعد المحو، ولكن لأن محمود يريد أن تستوطن في القراء محنة (الفلسطيني) الغريب المشرد الطريد المستلب المنهوب المغتصب. يريد أن يجعل صوت المنفى، ووجوده المنفي، أغنية تذكر الضمير الميت والمتكاسل والخامل والمتعنت بذلك، يوميا وعلى مدار الأعوام. ولايعني ذلك أن الشعراء والكتاب جميعا سعوا نحو ذلك: اذ يمكن للتماهي مع ابن الخطيب في (جاءك الغيث) سبيلا عند عبد العزيز المقالح لاستعادة اللوعة والتذكير بمرارة الخسارة والخذلان في الماضي والحاضر، كما أن انجازا سرديا مهما مثل (ثلاثية) غرناطة لرضوى عاشور يعيد تكوين التاريخ لئلا يموت ضمير الكتاب أولا ولئلا تعطب ذاكرة الأجيال. وكل من كان على تماس بالوراقين يحمل عدوى الكتابة وشرارة التحدي: فالكتابة ليست ترفا، كما أن التضحية ليست عبثا. استدعاء الأندلس اذن ليس اعترافا بخسران فلسطين مرة وإلى الابد كما ضاعت الاندلس. انه محو مضاد لحدود الزمان والمكان لئلا تموت الذاكرة أو يتمادى الضمير في ترهله وتكاسله. انه نهر ومدد من الأغاني والترجيعات في عالم ينبغي أن نجعله يتأمل الواقع بدراية المعذب وعذاب العارف. ناقد وأستاذ في جامعة كولومبيا |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























